جعفر شرف الدين
50
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )
سرعة تكوين السماوات والأرض . كما قال تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النحل ] ولو لم يكن المراد ما ذكرنا لكان في هذا الكلام أمر للمعدوم ، وخطاب لغير الموجود . وذلك يستحيل أن يكون من فعل الحكيم سبحانه . ومعنى قوله تعالى : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) أنهما جرتا على المراد ، ووقفتا عند الحدود والأقدار ، من غير معاناة طويلة ، ولا مشقّة شديدة ، فكانت في ذلك جارية مجرى الطائع المميّز ، إذا انقاد إلى ما أمر به ، ووقف عند الذي وقف عنده . وقال بعضهم : معنى قوله سبحانه : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي : كونا على ما أريد منكم من لين وشدّة ، وسهل وحزونة ، وصعب وذلول ، ومبرم وسحيل « 1 » . والكره والشّدّة بمعنى واحد في اللغة العربية . يقول القائل منهم لغيره : أنا أكره فراقك . أي يصعب عليّ أن أفارقك . وقال سبحانه : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ( 216 ) [ البقرة / 216 ] أي شديد عليكم . ومعنى الطوع هاهنا : التّسهّل والانقياد من غير إبطاء ولا اعتياص . وإنما قال سبحانه : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) بجعل السماوات والأرض كلّها كالواحدة ، والأرض جميعا كذلك ، فحسن أن يعبّر عنهما بعبارة الاثنين دون عبارة الجميع . وأمّا قوله سبحانه : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فكان وجه الكلام أن يكون طائعتين ، أو طائعات ردّا على معنى التأنيث . فالمراد به ، واللّه أعلم ، عند بعضهم : قالتا أتينا بمن فينا من الخلق طائعين . فكانت كلمة « طائعين » وصفا للخلق المميّزين ، لا وصفا للسماوات والأرض . وقال بعضهم : لمّا تضمّن الكلام ذكر السماوات والأرض في الخطاب لهما ، والكناية عنهما بما يخاطب به أهل التمييز ، ويكنى به عن السامعين الناطقين ، أجريتا في ردّ الفعل إليهما مجرى العاقل اللبيب ، والسامع المجيب . وذلك مثل قوله تعالى :
--> ( 1 ) . المبرم : الخيط أو الحبل الذي فتل فتلتين ، والسّحيل : الحبل الذي فتل فتلا واحدا .